!!الحب وحده لا يكفي

بينما كنت مارٍ في زقاق حارتنا الصغيرة، وجدت تلك الفتاة التي كانت تداعب وجه طفل صغير يبكي بحرارة في الطريق المقابل للمقهى الذي ارتاده من الحين للآخر.. ظللت بضع دقائق أراقب دلالها الخفيف مع ذاك الطفل.. هي لم تكن تلك الفتاه التي تترك (طفل شوارع) على حاله في منتصف طريق و ترحل، بل اتكأت لتوها و جثت على ركبتيها امامه و وضعت كلتا يديها على وجهه المليء بالغبار بل وكانت تداعب برقة انفه ليبتسم، ثم امسكت يده و اربطت عليه و قالت له لا تخف و وجلت داخل كشك صغير و قالت له: "اختر ما تشاء!" ثم عادت معه و هو يجذب أكياس من (الحاجات الحلوه) و تعلوه ابتسامة جريح قد اراحه التخدير..

                               * * *

كانت تحبني بصدق، و كنت احبها لتلك الدرجة التي قلت لها فيها ابتعدي عني. ان تقول الصدق هو اسمج شيء، انا لست مناسبًا لربما هلكت معي و مع مستوى المعيشة المزري الذي نبش في حياتي، الحب هو أن تبتعد ألا تجعل احدهم يعاني ما عانيته انت، ألا تخلق من نسلك آخر، لابد أن تدفن هذه الزيجة الفقيرة العفنه من سلالتك للابد.. لابد أن يحيا من يستطيع اما الباقي فله أن يؤئد نفسه في التراب و لا اجنّة يعاد تدويرها من زيجاته.

لذلك ابعدت عنها. الصورة من بعيد افضل.. 

صديقي اخبرني انني شاب و في ريعان الصبا و لكني اشعر أنني عجوز، جسد خالي، عاجز عن اصلاح تالف او تقديم جديد، وروح عَطِبة يجتاحها اللامبالاة و اللا شيء، عظام نخرة و نوم ثقيل، و لا استطيع الحراك و لا اجسر على أن القي كلمتين او اكثر بدون ان اتلعثم.

فقط لا استطيع. لقد انتهيت منذ زمن..

                              * * * 

امام القهوة، طالعتُ كرسي خالٍ و منضدة مريحة بعيدًا عن الانظار و الإضاءة فوقها خالية، و جلست على الطاولة ذاتها التي لاطالما شكيت لها و شكت مني، طلبت كعادتي قهوة مرّة المذاق، و إذ بي جالس اتساءل ماذا كنت سأكون لو اخترت طريقًا آخر غير ذلك الذي اخترته، هل كنت سأصبح طبيبًا او كنت قد عملت في الخارج مهندسًا؟! هل من الممكن أن أكون آنذاك صاحب عقار ضخم في وسط المدينة و عندي اجتماع لاصحاب الشركات التابعة لي؟!.. و بينما كنت احدث نفسي هكذا اذ فجأة قفزت فتاة من امامي كانت عيناها ممتلئة بالقلق و التوتر يجتاح روحها.. هي ذاتها الفتاة التي رأيتها تداعب الطفل.. كانت فتاه بارعة الجمال حسناء قد كحلت عينها برقة و سكينة و قد تدلى على رأسها بضع خصيلات من شعرها قد اضفى جمالًا على وجنتيها و قد اكل منها التوتر بعض اللطافة الذي تجبرك أن تهدئ من روعها..

قالت لي: "ممكن تساعدني؟!" 

قلت لها: "بالطبع!"

اخذتني عند محل يكتظ بشباب كثيرة و قالت لا استطيع أن ادخل لو تبتاع لي قطعة كيك، نفذت الى المكان حيث اشارت لي و ابتعت لها ثم قالت لي هيا بسرعه نذهب من هنا، لم افهم و ابتسمتُ لها كأنها كانت طفلة صغيرة.. قالت لي بسرعة خافته.. 

"امممم هيا بنا نركض سأخبرك فيما بعد!"..

                                * * * 

قلت لها بلهجة غريبة، يا عزيزتي ليس عندي اي طلبات في البنت غير ان تُنسيني البنت التي قبلها، قلت لها و عيناي تدمع من اسفل مقلتيّ: فقط هل يمكن إن وقعت يومًا أن تجذبي يدي؟!، لا اريد شيئًا آخر غير ذلك سأنهار من جديد. 

قالت له و هي تبكي بدورها اريدك أن تصمت أن تبتعد ان تعتلي الجبال في آخر البلاد و أن تكون بخير بعيدًا عن عيني. 

قلت لها و انا احدق بعينيها الواسعتين كأنني أعانق آخر لحظات الوداع معها، و اطرقتُ قائلًا: الحب هو إن تطلب الامر الى أن اصمت للابد.. سأصمت حتى يبلغ الصمت منتهاه.. 

                                * * * 

ركضنا الى آخر الطريق ثم لاح نظري في الافق الى رفيق الدرب الذي سرق حب الفتاة هذه في الصباح.. هي بالاخير تستأهل أن نملأ الارض حبًا لأجلها.. انه نفس ذات الولد.. اقبل عليها ثم اخذته بالحضن كأنها تحتضن طفلها الرضيع و قد اتت له بكعك لذيذ تلتهمه الاعين قبل الافواه.. 

تسمرتُ في مكاني و انا اقول لقد طلبت مني المساعدة و انا الآن اريد أن اقترب أن اغرم بيعينيها الواسعتين البريئة أن احتضن آخر حزن اراه في مقلتيها، أن اشاركها الليل و النهار المر و الحلو المرض قبل الفرح التعاسة قبل السرور.. أن نتلاحم حتى نتلاشى في بعضنا البعض.. أن يعج بيتنا بالحب.. 

                                 * * * 

 كنت ادعو الله اناء الليل و اطراف النهار أن يشفي قلبي التعس، احيانا الليل ينشب فيك آثار الهزيم التي لاطالما ركضت هربًا منها، لكن الارق اللعين اعتلى المنكب و امتطى لتوه رأسك المتدلية، لقد احاطت بك سهام الحزن فلا مهرب منها الآن..

اشعلت لفافة تبغ و شارفت على الانتهاء لكن عقب السيجارة النجسة قد وقع حينها على طرف القميص دعك من انه هرئ لقد حاكته المصائب منذ زمن و لكنه شهد معي لحظات دامية، لقد احترق القميص و هرعت حتى لا يحترق جسدي.. 

                                 * * *

مرت الايام و حبينا و حكينا و حلمنا و بنينا.. 

ثم التقينا في صباح يوم ما، لم ادرِ لما ذاك اليوم قد كتبت الاقدار أنه لا مفر من كتابة ما سيحدث الآن.. 

قالت لي كلمات على غرار إن شاء الله خير، و أن الامور لن تنتهي على خير إذ أنك من عالم و انا عالم آخر و لكن يوافق والداي على امر هكذا.. 

جاءني شعور كما لو أن احدهم اخرج خنجرًا و اغمده في صدري، كأن هناك أحد وضع حجرًا يزن اطنان على روحي، حبستُ انفاسي بضيق و حزن و شهقت بفزعٍ كأن الدنيا تدور من حولي.. دوار مفاجئ، و قلب ينبض بسرعة شديدة، و رأس متعب، و جرح لا نزيف له.. 

نظرت لي و قالت لي هيا بنا الى المطار، لم انفث ببنت كلمة و لا هي و نحن في السيارة، الطريق كان طويلًا لكن زمن الوصول كان بضع دقائق..

وصلنا و على نافذة شرفة الضابط التي اطللنا منها اخذ جواز سفرها، ثم توجهت الى الممر الى خارج المطار للجانب الاخر، و انا عيني لم تعد تستقر في مكانها.. استقرت عندها و عليها، انهالت في البكاء من بعيد و انا اراقبها، عمري قد يُحتسب في اللحظات هذة.. 

وقفت على باب الخروج و نظرت لي طويلًا ثم بدأت تتحرك كما لو كانت تعود و انا بدوري بدأت التحرك تجاهها، ثم مشت فمشيتُ، ثم هرولت و اسرعت في الركض و انا الآخر حتى أمسكت بيدي.. 

قالت لي و هي تتنفس بصعوبة: 

  • "انا آسفة لابد أن اودعك، حاولت أن اودعك بعيني و لكن لا اقدر أن اقف بدون حراك!". 

قلت لها و انا بدون حيلك و عيناي يدمع: 

  • "هيا بنا نهرب هيا بنا نتلاشى من بين العيون، تعالي اخبئكِ بين الضلوع..."

ناداها الضابط و ميسّر الرحلة اعلن أنه حان موعد ركوب الطائرة و أن الباب سيغلق.. قاطعت كلامي ثم نظرت الى عيني و هي تبكي قائلةً:

  • "رائد، الحب وحده لا يكفي!".

مرت ايام طويلة لم تمر عليّ انا.. لكن مرت خلالي، فقط مرت ايام و عدت الى ذات القهوة نفسها و نفس ذات الكرسي، ثم اشعلت لفافة التبغ التي اعتدتها و قلت لنفسي ماذا كنت سأكون لو اخترت طريقًا آخر غير ذلك الذي اخترته!. 


انجازات لم تكتب بعد

لقد شارف على الانتهاء، كانت لوحة فنية رائعة ابتدعها منذر في ليلة من لياليه الحزينة، صار يدجج اقلام الرسم و الموسيقى تعتلي ارجاء الغرفة، الجو كان كئيبًا لتلك الدرجة التي تدفعك على الجنون، صارت الموسيقى تلعب بدون ما يدري، الرتم وطأته تحد بعد حين الى أن راحت الاقلام ترسم من تلقاء نفسها..
العبرة بالخواتيم، انهى لوحته بعد قضاء ما يقارب العشر ساعات من زمن جلوسه على الكرسي، اطوى كل رسمة على حدى، و ترك اللوحة الفنية و راح يشعل آخر لفافة تبغ في علبة سجائره، اعتاد ان يدخن بشرارة في الليالي الحالكة.. 
"و انا في وسط المخالب المهلكة لم اجفل، و تحت هراوات القدر غطت الدماء رأسي لكني لم انحني".. راح يكتب عليها شعر قاله ذاك البريطاني السجين الذي عذبته حوائط السجن اكثر من السجّان نفسه..
راح يتساءل و عباب الذكريات يتدفق تحت فروة رأسه..
لماذا لم نكتب في خانة الانجاز اننا كنت هنا..اننا خضنا معارك لم يمت لنا بصلة فقط انها كانت تعني شيئًا..لماذا لم نكتب اننا تركنا البيت القديم و الاهل و الاصدقاء و صار الوطن غربة.. و ان الغربة وطن..
و كيف انتقلنا من مدرسة لاخرى..و اول يوم في الجامعة..و اول يوم ندخن السيجار..و اول يوم نستكشف الاشياء بدون مرشد لنا..و كيف اكتشفنا الخدعة تلك..و كيف تصرفنا بشجاعة عندما اجبرتنا الظروف..و كيف لم نُهلك في طريق هلك فيه الجميع..لماذا لم نكتب خيبات الامل، و الطرق التي سُدت من تلقاء نفسها، و النفس التي ازهقت في المحاولات، و لا جدوى من هذا و لا ذاك..و كيف صمدنا في المواقف، و كيف فهمنا بدون معرفة الحقيقة..لماذا لا نكتب اننا صبرنا و تألمنا و تصرفنا و حلمنا و حكينا و بنينا و احببنا و فارقنا و هاجرنا و تراجعنا مئات الاميال..لماذا كانت لوحة فنية فقط أدهشت الناقد و لم يدنو من فراغ البقعة التي تركها الفنان قصدًا لكي تكون صورة لعدم كمال اللوحة..رغم الالم و اليأس و الشهادات المعلقة على الحائط و اولائك الذين نعتونا بالمجن و الجنون.. نعتذر لان هذه المواقف هي وحدها التي صنعتنا..

حركات اطفال

الحياة محيرة حقًا، و تظل تائه ضائع، ضائع بين الكلمات، و الناس، و الاشياء، و مفترقات الطرق..


مفترقات شتى تقودك إلى عوالم أخرى، الحقيقة انك لا تدري، و تتساءل ماذا يمضيني للخروج الى الحرية، لكنك تسأم من نفسك في كل مرة، تعيد النظر في الأمور، احيانًا تحاول أن تضبط المسافات، ألا تكون إلى اليمين قليلًا او الى اليسار قليلًا.. و لكن لسبب ما لا شيء يصير كما تريده.


كل شيء يقود الى احتمال آخر، بضع سنتيمترات تفرق، فلربما تكون النتيجة سلبية أو غير مناسبة..

كل طريق يؤدي إلى احتمال و كل احتمال نتيجة غير متوقعة..


اتذكر بيت شعر لم يمر علي مر الكرام، قرأته في فقرة ما يقول:

إن الليالي و الأيام حاملة .. و ليس يعلم غير الله ما تلِدُ!

لن تدري ماذا تحمل لك الايام..


لو بالاحرى كان هناك مؤشر للأشياء لغدت الحياة جنة.. هذا هو الطريق يا فتى الذي ستسلكه و ستجد ما تريد، احيانًا كل ما تطلبه من الحياه هو مؤشر لهذا او منعًا لذاك..


جلسنا ايام نحكي، ايام لا نحكي، هي صارت تستفزها الاشياء بسببي، و انا لا افهمها، و هي تريد الشيء و لا تريده، و تارة نصير نتحدث برسميات بالغة و لا تتلاقى اعيننا و احيانًا نحكي هكذا.. فقط قالت لي "اترك حركات اطفال هذه"! هي ابتدعتها و لست انا..لسبب ما ستموت و تبعث و لن تفهم عقل انثى، لقد جلست عقودًا بأكملها احكي مع فتيات و لكن لم افهمهن بالكامل، حتى الآن لا يوجد كتالوج يقول لنا كيف نتعامل معهم و ما هي المحددات! 

***

"العيب فيكم، يا في حبايبكم"

راحت تقول لي هذا، لا ادري ماذا كانت تقصد حينذاك.. لا معنى آخر غيري و غيرها.

للمرة الاولى أن تشعر بالحب، من قبل كان اعجاب يتبدد كل دقيقة، هذه فتاة جميلة، هذه فتاة ترتدي عوينات جديدة، هذة فتاة ترتدي احدث موديلات الموضة التي اجتاحت العصر في ذلك الوقت..


لكن الشعور نفسه جديد عليك!

اتذكر انها قالت لي ذات مرة على سبيل الدعابة و المزح بعدما ادركت كم اقتربت منها: 

– "رحت".

لقد غابت ثلاثة ايام عن العمل، ماذا افعل بالاحرى رحت ارسل رسائل كثيرة، و عندما زاغت عيناي حتى ثبت جفن عيني على كلمة "رحت"، قد صرت كالمجنون.. 

ثلاث ايام ابكي! ادعو الله بكل ما في قلبي لتعود! لم اكن انا! احسست فجأه بالوحدة! و لكن في اليوم الرابع وجدتها امامي.. فقط حمدتُ الله كثيرًا بأني وجدتها! ايا يكن حالة المادة او الشكل الفيزيائي لها.. المهم اني وجدتها، بالاحرى لو صارت في صورة فراشة، سمكة زينة، قطة ب٧ ارواح، ظرافة، اي صورة اخرى راح احبها ايضًا و سأبكي إن ذهبت!.


موقف آخر يثبت لك انه حب و ليس اعجاب، المحب يتألم اذا تألمت محبوبته، الكل يدري هذا منذ قديم الازل و يحب الخير لها و إن راحت.. 

كنت اسألها في مره عن سبب ارهاقها الشديد، و ماذا بها، قالت لي عندي انخفاض في معدل السكر،

لقد تحسرت هذا اليوم، و رحت ادعو الله لها في الصلاة أن يشفي جميع امراضها، و من داخل نوى القلب تمنيت أن نتبادل المرض، هي لا تمرض و انا امرض عادي!...


جاء يومين و عرضت عليها الارتباط الرسمي، لا احب أن اظل اتوارى عن الناس، حتى لو ندري عنها نحن الاثنين فقط، قالت لي "العبيط اهو العبيط اهو".. حينها احسست انه ليس بإمكاني الاقتراب اكثر، نحن من عوالم اخرى مثل عوالم مارفل و ديزني.. و لكن عندما تخلط بين الشخصيات و الملابس و الازواق، لن يكون هناك شيء موحد، احد الشخصيات سيمل، يقول ما فايدة الخلط و التميز و الاختلاف و الحب.. بالاحرى لو ذهبت لآخر لوجدت الكثير من المال! يكفيني فقط أن اكثر الاشياء سحرًا حدثت لي هي تلاقي عينانا في كل مرة.. 

موقف ثاني يثبتلك انه حب.. انني مرضت عندما لم تجيب عليّ بنفس المرض الذي جاءها!

ليست صدفة كونية! انه انخفاض في معدل السكر ايضًا يا سادة! 

***

هي لم تكن لي منذ البداية، فقط دعوت الله لك بالطريقة الخاطئة، ماذا لو جاءت و كانت الشر المخفي الذي ادخرته لك الأقدار؟! ماذا لو تركتك في منتصف الطريق و رحلت؟! ماذا لو اعطتها كل شيء و هي لم تبادرك حتى لو رقصت على جميع اطرافك؟!.. هي تريد ذالك الرجل المفتول العضلات، الذي لا يدخن، يمتلك سيارة فاهرة، هي تكترث بالمال كالباقي لا تكترث للبشر.. 


كالعادة صار كلامي مكررًا، و مثل باقي المقالات.. ادركت بأن الدمية الحسناء لا تعطى للذي يبكي و لكن للذي يملك..

فقد ٢

كانت تنظر لي نظرة ما من تلك النظرات التي تدل على شيء، رأيت نظرات الاعجاب، و الحب، و الدهشة، و الحيرة، و الالم، و الحسرة.. هذه المرة كانت نظرة المترقب الذي يقدم على شيء ما و لكن هناك ما يمنعه..


كانت تبتسم بلا سبب.. 

***


راح يدعو الله كثيرًا بأشياء لم تكن له، لم تكن تعنيه بالمره، و لن تحدث و لكن ظن انه لعل و عسى الاقدار ربما تنصفه. كان يتحدث الى الله كثيرًا.. طوال الوقت، صار يحكي له عن سرائره التي لاطالما اخفاها في قلبه و لم يبدها لأحد، كان يعامل الله كأنه وكيله حقًا، فوض إليه أحلامه و أمانيه، قال "اللهم اني استودعك احلامي كلها يا من لا يعجزه شيء و انا العاجز إليك بلا حيلة".

***


قال له صديقه المقرب رؤوف: "تتسرب إليك هواجس المستقبل، و مرض الحسابات المقلقة.. دعك من كل شيء يا رجل 'فإبن الهبلة يعيش اكثر!'.. ما عليك يا صديقي لكن قل لي لقد استمتعت امس بالحفل الغنائي، أليس ذلك؟! ماذا قالت تلك السيدة الاغريقة في الحفل؟!"


بعد الخامسة و الثلاثين، ما عاد يحلم بشيء الإ المال، لقد كانت احلامه في الموسيقى، و السفر، و جمع الطوابع، و القراءة و هزيمة يهودي ما في لعبة الشطرنج على الإنترنت، و مشاهدة بعض الأفلام السينمائية في مختلف أنحاء العالم..


*** 


الاحلام درب من دروب الخيال. كان يحلم أن يرى جمال الطبيعة الخلابة مع فاتنته الحسناء، حلم أنه يحتسي فنجان قهوته معها في كافتيريا على النيل. او أن ترتدي ثوبها الأبيض المرقع بالأزهار و أن تسير بقدميها الحافيتين على الصحراء و هي تلف حول شعرها الهائج الطويل ايشارب بعصبة مبطنة  تسمح لها بإخفاء حسن وجهها مع إفشاء عينيها اللامعتين..

لم يجبن يومًا عندما أتاحت له الحياة فرصة ألا يغتنمها، لقد قاتل في المعركة وحيدًا، يكفي أنه حلم يومًا بأشياء لم تكن في خطة الله له. 


لم يعد لديه القدرة على الحلم الآن، لقد فقد الكثير في رحلته، لم يعد يكترث كثيرًا لمن يجذب لياقته، او ينعته بالنذل، او يتهمه احيانًا بالشرف، او بالاحرى كيف صار مظهره مزريًا، او كيف يعامله الناس و يخدعونه و يظل صامتًا كأنه لا يدري شيئًا، او كيف أن الحياة ابرمت عقدًا مع الاقدار على أن طرحه ارضًا نزفًا حتى تخدل قدماه و تهزمه في ابسط الأشياء التي ريثما ظلت في روحه تدفعه الى أن يكمل.. 

 ***

اسردت قائلًا: "عندما تنصت الى الموسيقى فإنك تعجب بها حقًا و تطير فرحًا، لكن عندما تفهم كلماتها ربما يجتاحك العبوس و يختالك الغم فتحزن و تذرف الدمع عليها"


و اردفت قبل أن يلقي بالًا بإضافة كلمة:

"... لقد كانت تقول برغم شعرك الهائج الشَعِث، كان هناك لمعانه الذي لاطالما جرحني بجماله! و لكنك قلت لابد أن تذهب و تريد تجنب الماضي.. و لكن رجاءًا توقف تعال و لا تنظر خلفك.. انتظر انا اريد ان اخبرك شيئًا قبل أن ترحل.. يا هذا تعال انا احبك حقًا حتى و لم استطع قولها!"


***


راح يبكي عندما ادرك اللحن، احيانًا الحياة تكون قاسية علينا اذا تعلمنا، و اذا لم نفهم الدرس تعطيك نفس الاختبار، و ترسب حتى تصير سيدًا في الدرس هذا.. تتقنه إلى آخره. يومًا ما ستكون ما تريد فلا تبتئس، الدروس ليست بالمجان يا هذا..


كانت تبتسم له بدون سبب..

قال في قرارة نفسه لا يعقل أن يحدث شيء ما، هل هي تلك النظرة التي تناولك المعجزة التي تمنيتها؟! هل اخبر احدًا ما؟! لكن انت تدري اكثر مني عن هذا، عندما تخبر الناس اشياءك الجميلة تختفي للأبد، انه مثل قانون مورفي و الإيبجراما و الحكمة الساخرة في الأشياء.. كل شيء يمكن أن يسير في اتجاه خاطيء، سيسير في اتجاة خاطيء فعلًا! لا ادري كيف لكن لا أستطيع أن اجزم أنه أمر حقيقي، يمكنك العودة من الطرق الخاطئة.. يمكنك أن تخرق القانون للعودة.. ممكن أن تخلق طريقًا آخر غير الذي سلكته! لقد آمنت أن التغيير هو الثابت الوحيد في المعادلة.. المتغيرات كثيرة، لذلك قررت أن اجرب حظي التعس..


***


قالت أن المكملات الغذائية باهظة هذه الأيام.. و أنها تحرق سعرات حرارية أكثر مما أتخيل.. قالت أن الاستهلاك المحلي اكثر بكثير مقارنة بما هو متوقع.. و أن سعر الذهب ارتفع بنسبة تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف ما كان من قبل.. و أن مستواها المعيشي يتدهور بشكل ملحوظ.. هذا المستوى تريد أن تحافظ عليه..

قالت لي بنبرة حادة و ابتسامة غريبة:– "سعر الدولار راح يترنح كثيرًا انت لا تدري يا أخي!"


لم ينتهي الأمر على هذا التلميح، التلاعب بالكلمات لم يكن مناسبا لعقلية مثلي، اذا قال لي أحدهم (يا ليت الحمار يفهم و ينظر لي)، لقد له أين ذلك الحمار حقًا لأقول له أن يفهم!

قالت كلام على غرار: "لن نستطع أن نكمل هذا، انا اراك كصديق لي، لم نكن و لن نكن، دعك لا تحرق روحك"

(قصاصات قابلة للحرق، فتم حرقها، نعتذر لك عزيزي القاريء) 

قلت لها بصوت يكاد يتهدج: 

"و لكن هذه ليست مسألة وقت فقط، انها مسألة البعد، لم يكتب الله لي فيكي شيئًا، اختار البعد.."

قالت لي:

"لا تذهب لقد اعتدت عليك! لماذا لا تفهم؟!"

قلت لها:

"لا استطع فإن الطريق الوحيد إلى ذلك أما بالقبول او بالرفض، لا تستطعين أن تختاري الإثنين معًا.. انتِ رحلتي بالفعل فلماذا نتكبد عناء الانتظار في رحلة لم اكن مدعو لها؟!".

رحت ابكي و أنا اقول لها سأسافر عبر القارات، سأبحر لارى العوالم الأخرى و تعصف الرياح بي هنا و هناك و سأنسى الحب الأبدي الخالد في ذهني منذ الأذل، سأغني سأرقص على الحاني الحزينة بمفردي.. سأظل وحيدًا كما انا، لم يكن لي احد و لم اعتاد على وجود احد، انا البطل الوحيد الذي وقف بجواري، انا الجيش الوحيد لي.. 


***


الحقيقة أنه لا شيء دائم، لحسن الحظ ان كل الاحزان تمر، و لكن لسوء الحظ أن كل السعادة تمر.. 

لعن الله فقط الاشياء المتأخرة، و الحزن الذي يطرق بابك دومًا، و الصديق عند الحاجة فقط، و الأمل الزائف الملول الذي يأتي و يرحل، و الناس التي لا دين لها، ارواحهم شريرة تمقط الخير و تعبد الشر عبادة، تلك الروح الغبية المقفلة تنشر الخراب بدون سبب يذكر.. لعن الله الكذب و الخداع و القيل و القال و خيبة الأمل و سوء الفهم و من يعجبنا قوله و هو الد الخصام، يعطيك من طرف اللسان حلاوة و يروغ منك كما يروغ الثعلب..

لعن الله الفقد البالغ في الأشياء.. الفقد هو اكثر المًا مما جعلك عاجز.. لم يتبقى شيء يفقد، و مع مرور السنوات الشيء الوحيد الذي كوّنته الأيام.. هو انا.

عطر نسائي

رائحة العطر المفعمة بالحياة، تلك الرائحة التي تبعث في قلبك البهجة و السرور، احيانًا تنتهي بالغم و الاكتئاب، و الندوب التي لا تدمل الا مع مرور الوقت، احيانًا بعض الجروح لا تلتئم للأبد، لابد أن تعتاد عليها

الرائحة الوليدة للعواطف القادمة توها من المصنع.. انت تستعمل قلبك لاول مرة، مثلما تأتي بغرض ما جديد فتفك شريط السيلوفان الشفاف.. بعدما تنتهي فترة الضمان لا يحق لك استرداد مالك او رد الغرض.. لابد أن تتقبل هذا الشيء شئت ام ابيت لا خيار ثالث..

***

تلك السمراء المرهفة بالمشاعر، بارعة الجمال، التي خلقت الرقة من اجلها، و تخاف من رقتها أن تخدش احدى شعراتها احد خديها فتجرحها.. ذات عيني الغزال، التي تغلق من تلقاء نفسها عندما تضحك.. الكل يعجب بالبطلة في الروايات، اما انت فلا، الحمقى يفوتهم أن يروا جمال الصمت في صديقتها الخجول، هناك كنوز مخفية انت لا تدري شيئًا عنها، لكن عندما تقترب منها و تعترف لها بحبك ستجد انهار من الجمال الذي لم يراه احد، ستخبرك بما لم يعرفه احد من قبل.. 

***

قال لها و الدموع قد تغرغرت من مقلتيه:

"ارحلى انا ليس لدي ما اقدمه لكي، ليس لدي المال الوفير، لماذا انتظر على امل حلم لن يكون يومًا ما؟!.. انتي تريدين ثري ما، فارس الاحلام الشاب الرسيم مفتول العضلات الذي اعطاه الله ليسخر لكي الاخضر و اليابس اما انا فلا!."

ثم قال بسخرية مع اكتئاب ما

– "اذ أن حسابي بالبنك يلعن اليوم الذي اودعت فيه مالًا!".

هو كان يعلم الخطوة التي تليها، هو أن يبتعد رغم ان قلبة يتمزق، السكاكين لم تقل وطأتها في الاندفاع نحو قلبه، يدعو الله من شآبيب قلبه ألا ترحل، ألا تذهب من هنا.. راح يبكي كثيرًا في الليل لكي لا ترحل و في الصلاة راح يقول "اللهم ان لم تكن لي في الدنيا فعجلها لي في الآخرة".. لكن تحتم عليه الامر أن يجعلها تذهب، هي تستأهل شيء آخر، راح يتمنى لها الخير بالرغم من شيبة قلبه المتعب.. 

***

لقد احبها في صمت، و لم يخبرها بذلك.. احرق كل الاوثان البالية في معبده، كفر بالشريعة التي اخترعها لتوه.. شرع أنه لن يكمل الرهبانية في معابد اعمدتُها توشك على الانهيار و آيلة للسقوط..

 هناك بعض الاشياء إن اقتربت منها تحترق، الصورة من بعيد جميلة لكن عندما تقترب اكثر تظهر لك مُبكسلة (منغمشة) الشكل.. 

تنتهي الاشياء التي تتمناها و لعل لها حكمة، بأن سحر الاشياء في عدم اكتمالها. لو اكتملت ربما لن تترك تأثيرًا.. تبين أن البتر سر جمال التمثال.

***

قالت له أن الامر ليس هكذا، و لا تعقد الامور، و انه ليس بنهاية الطريق، و ارادت أن تتخذه كصديق لكن ظن انه شيء مشين بالنسبة لشخص مثله، قالت له انها تريد الاشياء بهذة الطريقة، و انه لابد أن يعتاد عليها..

احس بالعجز، و الشعور بعدم الوصول.. لقد انتهت قصة الحب هذة، لقد انتهت قبل أن تبدأ من الاصل، قصص الحب لابد أن تفنى بإحدى الطريقتين الاولى إما بالزواج و الأخرى بالفراق.. لكن ما يتبقى لك هنا يا صديقي هي الذكريات.. الذكريات فقط.

*** 

في النهاية انت لن تصل، مهما حققت من انجازات و رحت تضرب الارض بمغامرات لم يسبقك احدًا فيها ستدرك أن رائحة العطر الذي تشممته من قبل لن يدوم، اكليل الرحيق العبق الذي لاطالما اردت استخلاصه لن تناله، ان كنت مغرمًا بإقتناء الورد في شغفٍ لا تزرع الورد إن اعيتك سقياه.

ادري بأن الوجبة الوحيدة التي اشتهيتها لم تتذوقها قط، على الاقل اشتهيت، يكفي انك حلمت.. الحب شيء جميل لكن تبعاته قاسية مؤلمة و احداثة تارة تبعث فيك النشوة و الاول و تارة تأخذك الى عالم الظلام..