لقد شارف على الانتهاء، كانت لوحة فنية رائعة ابتدعها منذر في ليلة من لياليه الحزينة، صار يدجج اقلام الرسم و الموسيقى تعتلي ارجاء الغرفة، الجو كان كئيبًا لتلك الدرجة التي تدفعك على الجنون، صارت الموسيقى تلعب بدون ما يدري، الرتم وطأته تحد بعد حين الى أن راحت الاقلام ترسم من تلقاء نفسها..
العبرة بالخواتيم، انهى لوحته بعد قضاء ما يقارب العشر ساعات من زمن جلوسه على الكرسي، اطوى كل رسمة على حدى، و ترك اللوحة الفنية و راح يشعل آخر لفافة تبغ في علبة سجائره، اعتاد ان يدخن بشرارة في الليالي الحالكة..
"و انا في وسط المخالب المهلكة لم اجفل، و تحت هراوات القدر غطت الدماء رأسي لكني لم انحني".. راح يكتب عليها شعر قاله ذاك البريطاني السجين الذي عذبته حوائط السجن اكثر من السجّان نفسه..
راح يتساءل و عباب الذكريات يتدفق تحت فروة رأسه..
لماذا لم نكتب في خانة الانجاز اننا كنت هنا..اننا خضنا معارك لم يمت لنا بصلة فقط انها كانت تعني شيئًا..لماذا لم نكتب اننا تركنا البيت القديم و الاهل و الاصدقاء و صار الوطن غربة.. و ان الغربة وطن..
و كيف انتقلنا من مدرسة لاخرى..و اول يوم في الجامعة..و اول يوم ندخن السيجار..و اول يوم نستكشف الاشياء بدون مرشد لنا..و كيف اكتشفنا الخدعة تلك..و كيف تصرفنا بشجاعة عندما اجبرتنا الظروف..و كيف لم نُهلك في طريق هلك فيه الجميع..لماذا لم نكتب خيبات الامل، و الطرق التي سُدت من تلقاء نفسها، و النفس التي ازهقت في المحاولات، و لا جدوى من هذا و لا ذاك..و كيف صمدنا في المواقف، و كيف فهمنا بدون معرفة الحقيقة..لماذا لا نكتب اننا صبرنا و تألمنا و تصرفنا و حلمنا و حكينا و بنينا و احببنا و فارقنا و هاجرنا و تراجعنا مئات الاميال..لماذا كانت لوحة فنية فقط أدهشت الناقد و لم يدنو من فراغ البقعة التي تركها الفنان قصدًا لكي تكون صورة لعدم كمال اللوحة..رغم الالم و اليأس و الشهادات المعلقة على الحائط و اولائك الذين نعتونا بالمجن و الجنون.. نعتذر لان هذه المواقف هي وحدها التي صنعتنا..