"نم يا صغيري نم، فقد أهلكتك اعباء ذاك اليوم.. اهلكتك الاحداث و المواقف.. نم، فقد انتهى كل ذلك."
في الصباح ركبت اتوبيس هيئة النقل العام المقتظ بهؤلاء الناس من الفئة الوسطى او الاقل منها.. اثناء ما كنت افكر فيها قد ستحمله الاقدار على اعتاب بابي.. انحرف سائق الاتوبيس عند منعطف ما، فأصاب مارٍ ما بهذا المتعطف و قادته اقداره ليلقى على الارض و اجتمع حوله.. الغريب في الامر أن السائق اكمل طريقه دون ان يعبأ بشيء، دون أن يحرك ساكنًا، دون أن يلتفت للخلف لحظة.. قد ثار بعض الركاب في المقعد الأخير ثم ساد الصمت.. و انا كعادتي صامت و مندهش.. كنت افكر ان انزل في تلك اللحظة و اساعده.. كنت افكر في ان اجبر السائق على ايقاف الاتوبيس و اجذبه من لياقة قميصه المُكرمش و اطوح به خارجا في منتصف طريق سريع لنرى ماذا سيحدث في الثانية التالية.. كنت افكر في ان افتك به و لكني لم افعل.
مكثت بضع ساعاتٍ في ميكروباص رمسيس، انت تعلم الطرق الضيقة، و الازدحام المروري الخانق، و السواق الكهل العجوز و عربته المتهتكة و كلامه الاجوف و سيجارته السوبر الطويلة تلك التي لن تنتهي حتى نصل الى رمسيس.. المهم انني غفلت للحظات افكر في الاقدار، لست واثقًا فيما تخبأه لي، اعلم انها متلاعبة تنحاز للعب القمار او ما شابه ذلك.. المهم انني استيقظت على ضوت فرامل عجلتا الميكروباص و رائحة شياط تخرج مندفعة الى انفي الكبير نتيجة احتكاك العجلة بسطح الاسفلت..
كان هناك حادث ما سيحدث هنا و الآن، و لكن انت تعلم الاقدار تقول ليس اليوم.. هذا مزاحهها السخيف..
كنت اعلم انه جاء ميعادي في تلك اللحظة، في تلك الثواني المتقطعة، و لكن ليس اليوم يومي، لعله يوم بائس آخر في مكان ما على الجانب الآخر من الكوكب.
في المساء، بعد ان سحبت كرسي في قهوة ما و قد جلبت معي بعض الفراخ شهية المذاق، جلست قطة بجواري تحملق بجواري تريد أن تلتهم هي قطعة الفراخ.. رحت اضع لها نسائِر صغيرة على الارض و كانت تلتقط الواحده تلو الاخرى و تأتي مره ثانية، راحت تثب في الهواء عندما قذفت إليها بآخر نسيرة.. و لكن زالت ابتسامتي بعدما أكلت و ذهبت في طريقها.. القطط كالنساء ماكرات.
آخر الليل كنت قد اشعلت جميع لفافات التبغ في علبة سجائري، و طلبت من صديق بجواري راح يثرثر بدون ملاحظة منه انني تعيس و اجهدتي احداث اليوم للغاية.. اصعب الاشياء على الاطلاق هو ارغامك على الحديث في وقت تحبذ فيه الصمت و الهدوء و انت مثقل بالاحزان.. شعرت بإحباطات كثيرة و الم في رأسي و اكتئاب و فشل نوع ما.. و لكن قلت لنفسي و انا في طريقي للعودة الى المنزل "نم يا صغيري نم، فقد أهلكتك اعباء ذاك اليوم.. اهلكتك الاحداث و المواقف.. نم، فقد انتهى كل ذلك.. الآن".